أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

489

عمدة الحفاظ في تفسير أشرف الألفاظ

كالاستقامة . قال بعضهم « 1 » في تفسيرها : وذلك وجود ما يصير به الفعل متأتّيا . قال : وهو عند المحققين اسم للمعاني التي بها يتمكّن الإنسان مما يريده من إحداث الفعل ، وهي أربعة أشياء : بنية مخصوصة للفاعل ، وتصوّر للفعل ، ومادة قابلة لتأثيره ، وآلة إن كان الفعل آليا كالكتابة « 2 » ؛ فإن الكاتب محتاج إلى هذه الأربعة في إيجاده للكتابة ( ولذلك يقال : فلان غير مستطيع للكتابة ) « 3 » إذا فقد واحدا من هذه الأربعة ( فصاعدا . ويضادّه العجز وهو أن لا يجد أحد هذه الأربعة فصاعدا ، ومتى وجد هذه الأربعة كلّها فمستطيع مطلقا ) « 4 » . ومتى فقدها فعاجز مطلقا ، ومتى وجد بعضها دون بعض فمستطيع من وجه عاجز من وجه . ولأن يوصف بالعجز أولى . والاستطاعة أخصّ من القدرة ، وقال بعضهم : الاستطاعة الإمكان ، والإمكان إزالة الموانع . وقوله : مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا فإنه يحتاج إلى هذه الأربعة ، وقد مرّ تفسيره عليه الصلاة والسّلام لها . قال الراغب : قوله عليه الصلاة والسّلام : « الاستطاعة الزاد والراحلة » « 5 » فإنه بيان لما يحتاج إليه من الآلة ، وخصّه بالذكر دون الآخر إذ كان معلوما من العقل . ومقتضى الشّرع أنّ التكليف بدون تلك الأخر لا يصحّ . قلت : ويظهر جواب آخر وهو أنه عليه الصلاة والسّلام إنما ذكر معظم الأشياء وهو هذان المذكوران وغيرهما كالتابع لهما . قوله : لَوِ اسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكُمْ « 6 » فالإشارة إلى عدم الآلة من المال والظّهر . قوله تعالى : وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا . . . . . . وَلَوْ حَرَصْتُمْ « 7 » قيل : إنه قد يقال : فلان لا يستطيع كذا لما يصعب عليه فعله لعدم الرياضة ، وذلك يرجع إلى افتقاد الآلة أو عدم التصوّر . وقد يصحّ معه التكليف ، ولا بصير به الإنسان معذورا ، ومثله قوله : إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً « 8 » .

--> ( 1 ) يريد الراغب في المفردات : 310 . ( 2 ) وفي الأصل : آلة كالكاتب ، والتصويب من المفردات . ( 3 ) الكلام ساقط من س . ( 4 ) الكلام ساقط من س . ( 5 ) الترمذي ، الحج : 4 . ( 6 ) 42 / التوبة : 9 . ( 7 ) تمام الآية : وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ . . . ( 129 / النساء : 4 ) ( 8 ) 67 / الكهف : 18 .